ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

128

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

واعلم أن البواعث على الغيبة كثيرة فنحن نبين بعض ما يمكن بيانه ليعلم ويرجع عنه . أول ذلك الحقد والغضب . الثاني موافقة الأقران ومجاملة ( 1 ) الرفقاء ومساعدتهم على الكلام فإنهم إذا كانوا يتفكهون بذكر الأعراض فيرى أنه لو أنكر عليهم أو قطع المجلس استثقلوه وتفرقوا عنه فيساعدهم ويرى ذلك من حسن المعاشرة ويظن أنه مجاملة في الصحبة فيحتاج أن يخوض معهم في الغيبة والأولى الإنكار فإن لم يستطع فالقيام . الثالث أنه يستشعر من إنسان أنه سيقصده أو يطول لسانه فيه أو يقبح حاله فيبادره فيطعن فيه ليسقط أثر شهادته . الرابع أن ينسب إلى شيء فيريد أن يتبرأ منه فيذكر الذي فعله وكان من حقه أن يبرئ نفسه ولا يذكر الذي فعله . الخامس إرادة التضييع والمباهاة وهو أن يرفع نفسه بتنقص غيره فيقول فلان جاهل وفهمه ركيك وكلامه ضعيف وغرضه أن يثبت في ضمن ذلك علم نفسه ويريهم أنه أفضل منه أو يحذر أن يعظم مثل تعظيمه فيقدح فيه . السادس الحسد وهو أنه ربما يحسد من يثنى الناس عليه ويحبونه ويكرمونه فيريد زوال تلك النعمة عنه فلا يجد سبيلا إليه إلا بالقدح فيه فيريد أن يسقط ماء وجهه عند الناس حتى يكفوا عن إكرامه والثناء عليه فهذه أسباب متى اجتنبها الإنسان برئ من أن يكون مغتابا فمن كان يخشى الله ويتقيه فيجهد نفسه عن الكف عن مساوي الناس فإنها معرضة لمقت الله ومسبة عند الله ( 2 ) [ مسببة عند الله ] فينبغي أن يبدأ بعيوب نفسه فيصلحها فإذا علم من نفسه صلاحا فليعمل ما شاء وقبيح أن يطلق اللسان في عيب الغير ويترك عيب نفسه فالاشتغال بالنفس أولى لما ورد عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه قال طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ومهما وجد عيبا من نفسه فينبغي أن يستحيي من أن يترك نفسه ويذم غيره ويعلم أن تألم غيره بغيبته إياه كتألمه بغيبة غيره له فإذا كان لا يرضى

--> ( 1 ) المجاملة : السلوك بالجميل . ( 2 ) من السب بمعنى الشتم .